مشاركات

رحلة الموت

 

رحلة الموت

بقلم الأسير نبيل العواودة

 

تخيل الآلام، تخيل القهر والظلام، تخيل كراماً جوعى على موائد اللئام، تخيل العبرات.. الحسرات.. الزّفرات.. الآهات، جهنم وما فيها من لهيب وجمرات محرقات، بعد كل هذا لا أظنك أدركت رحلة الأموات.

 

 رحلة ليست كباقي الرحلات، رحلة لم تُعرف في محاكم التفتيش، ولا في زمن الجنون والعنتريات، لم تعرفها البشرية من لدن آدم، ولا أظنها ستعرفها في القادم والغيبيات، رحلة بلا زمان .. بلا مكان، وكأن الله أخرجها من دائرة التوقيت والحسبان، رحلة قبور كثير دون منكر ونكير، دون مشهد حقيقي من النار أو جنة فرشها من حرير.

 

رحلة يعيشها أموات ويقوم بها أناس فيهم من الإنسانية الحيوانية المتوحشة، من الوحشية ضراوتها ومن الضراوة قساوتها.

 لا تعجبون فهذه ليست لعباً عقلية ولا ألغاز ولا حجىً، تحتاج إلى صفو ليل ولمبة وكاز، ولا أسئلة فيها من التحيير والإعجاز، كل ما في الأمر نيّف يسير، وها إليكم سادتي الإيضاح بإيجاز، قيل أن رحلة الألف ميل تبدأ بميل، ولكن رحلتنا يا سادتي تسير ألف ميل من أجل ميل، رحلتنا حركة بطيئة تصدّر النظام، تسير بانتظام، تبدأ من الظلام وتنتهي في الظلام، جمالها أحلام، ليست سريّة مقصودة ولا عفوية معهودة؛ بل هي لترسيح الظلام، رحلتي محكمتي نقلي علاجي أو ما يسمى ببوسطتي عند أعداء السلام، رحلتي تبدأ حينما يخرج فيها الميت (الأسير) من قبره الكبير (سجنه)، بعد تفتيش عسير وإذلال أبعد ما يكون عن الذل اليسير، بعد همز ولمز/ ودفع ورفع، من أجل تدمير المصير دون تفصيل، لأنني لو فصلته لاحتجت إلى مداد وحبر كثير، رحلتي ينتقل الميت فيها إلى القبر الصغير، بين المشهدين فقرة جميلة طويلة فيها من الترفيه والتنزيه ما فيها، لذتها في تكبيل الأيادي والأقدام   ثم يدخل بجسده في قبره الصغير من حديد، لكنه باص كبير، مشهده سياحه، محيّاه راحة، وهل للميت المقصود هنا إلا صندوق حديد، أسود مغلق من كل الجهات ظاهره فيه الرحمة، وباطنه من قبله العذاب، فيه كرسي ثقيل،  لراحة الجلوس، عليه يكفي بإذن الله عشق الميت للرحيل، رائحته تفوح ليست مسكاً أو عنبر وليست مؤذية جدا، فهي من بقايا بول يسير، ورجيع أسير أهاله جمال المشهد؛ فاستفرغ فرحاً كل ما في بطنه أو بال على نفسه، لا تخافوا ليس ضعفاً، بل ثمالة سُكْرِ طول المسير.    

 

رحلتي القاتلة تسهب فيها، فنحن لسنا في عالم الدنيا لندنو من تلك الصغائر؛ بل في حياة لربما برزخية مع فارق التشبيه، إلا أن آلامها تبدو أبدية، يوم اثنان ثلاثة هذا حساب خارج التفصيل ، ومن خشية الملل نقاد لمشهد أقسى وأجمل تسمى الأمتناه ،غرف مبنية صغيرة قوية، برودتها في الشتاء عنفوانية، وحرارتها في الصيف فوق الاعتيادية، تدخل إليها فتشعر كأنك في سياحة لكن ليست في الكرة الأرضية، ومرة أخرى لا تحسب الأزمان والأوقات، فهذه من الزلات والهفوات، لا تُغفر بكثير التسبيح والاستغفارات؛ بل قد تحاسب عليها بمزيد من العذابات، ثم بعد هذا الترويح النفسي المريح تعود إلى صندوق الحديد الضيق الفسيح بنفس مليئة بالقيود والأغلال ، مذكراً بخلخال ذوات الجمال، معاذ الله أن يكون للتضييق والإذلال، ثم يسير بك المشهد ساعات طويلة في الظلام، لتعود أدراجك بالشكل البطيء الجميل، فالمشهد يعاد من جديد من صندوق حديد إلى تفتيش فيه من الذل المزيد، إلى أمتنات بضيقها وكثرة من فيها من الأموات تظنها قد أصبحت مدّاً مديد.

 

 هذا المشهد بإيجاز لأن جمال الكلام في البلاغة والإعجاز، مشهد لا نرجو فيه من بشر شيئاً، لأن الأموات لا ينطقون، ولو نطقوا لا يُسمعون، ولوأسمعوا لنام على نغمة أصواتهم اليقظون، فيا عجباً أيطلب الأموات من الأحياء العون والمعون .

 

أخوكم الأسير: نبيل العواودة. 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق